علي محمد علي دخيل
734
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
وفارس ، فقال المنافقون : أتظنون أن فارسا والروم كبعض القرى التي غلبتم عليها ، فأنزل اللّه هذه الآية . ثم قال سبحانه لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يوالون من خالف اللّه ورسوله والمعنى : لا تجتمع موالاة الكفار مع الإيمان ، والمراد به الموالاة في الدين وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أي وإن قربت قرابتهم منهم فإنهم لا يوالونهم إذا خالفوهم في الدين وقيل : إن الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة ينذرهم بمجيء رسول اللّه إليهم ، وكان صلّى اللّه عليه وآله أخفى ذلك ، فلما عوتب على ذلك قال : أهلي بمكة ، أحببت أن يحوطوهم بيد تكون لي عندهم وقيل : انها نزلت في عبد اللّه بن أبيّ وابنه عبيد اللّه بن عبد اللّه وكان هذا الابن عند النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فشرب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال : ابق فضلة من شرابك اسقها أبي لعل اللّه يطهر قلبه ، فأعطاه فأتى بها أباه فقال : ما هذا ؟ فقال : بقية شراب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم جئتك بها لتشربها لعل اللّه يطهر قلبك فقال : هلا جئتني ببول أمك ، فرجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فقال : ائذن لي في قتله فقال : بل ترفق به عن السدّيّ ثم قال سبحانه أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ أي ثبت في قلوبهم الإيمان بما فعل بهم من الألطاف فصار كالمكتوب عن الحسن وقيل : كتب في قلوبهم علامة الإيمان ، ومعنى ذلك : انها سمة لمن يشاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون ، كما أن قوله في الكفار : وطبع اللّه على قلوبهم ، علامة يعلم من شاهدها من الملائكة أنه مطبوع على قلبه عن أبي علي الفارسي وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي قوّاهم بنور الإيمان ، ويدل عليه قوله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ عن الزجاج وقيل معناه : وقوّاهم بنور الحجج والبراهين حتى اهتدوا للحق وعملوا به وقيل قواهم بالقرآن الذي هو حياة القلوب من الجهل عن الربيع وقيل : أيدهم بجبرائيل في كثير من المواطن ينصرهم ويدفع عنهم وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بإخلاص الطاعة والعبادة منهم وَرَضُوا عَنْهُ بثواب الجنة وقيل : رضوا عنه بقضائه عليهم في الدنيا فلم يكرهوه أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أي جند اللّه وأنصار دينه ، ودعاة خلقه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ألا كلمة تنبيه ان جنود اللّه وأولياءه هم المفلحون الناجون الظافرون بالبغية . سورة الحشر مدنية وآيها أربع وعشرون آية النزول نزلت السورة في اجلاء بني النضير من اليهود ، فمنهم من خرج إلى خيبر ، ومنهم من خرج إلى الشام ، وذلك أن النبي ( ص ) لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه ، فقبل ذلك منهم ، فلما غزا رسول اللّه ( ص ) بدرا وظهر على المشركين قالوا : واللّه انه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة ، لا ترد له راية ، فلما غزا غزاة أحد ، وهزم المسلمون ارتابوا ونقضوا العهد ، فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة ، فأتوا قريشا وحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد ، ثم دخل أبو سفيان في أربعين ، وكعب في أربعين من اليهود المسجد ، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة ، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة ، ونزل جبرائيل فأخبر النبي ( ص ) بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان ، وأمره بقتل كعب ، فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري ، وكان أخاه من الرضاعة .